وهبة الزحيلي
279
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وجاء القسم في القرآن على أنواع : إما قسم اللّه بنفسه أو بذاته مثل : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّهُ لَحَقٌّ [ الذاريات 51 / 23 ] و تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء 21 / 57 ] . وإما قسم من اللّه بأشياء من خلقه ، دلالة على عظمة مبدعها ، كالصافات ، والطور ، والذاريات ، والنجم ومواقع النجوم ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، ويوم القيامة ، والفجر والبلد والتين والزيتون . وقد يكون القسم بالقرآن : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ يس 36 / 1 - 2 ] . ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص 88 / 1 ] . ق ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ ق 45 / 1 ] . حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ [ الزخرف 43 / 1 - 2 ] [ والدخان 90 / 1 - 2 ] في الزخرف والدخان . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ - لَوْ تَعْلَمُونَ - عَظِيمٌ أي وإن هذا القسم عظيم لو تعلمون ذلك . والضمير يرجع إلى القسم المفهوم من الكلام المتقدم . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ هذا هو المقسم عليه ، أي إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم ، كثير المنافع والفوائد ، لما فيه من الهدى والعلم والحكمة والإرشاد إلى سعادة الدنيا والآخرة . وهذه الصفة الأولى للقرآن . والمناسبة واضحة بين المقسم به وهو النجوم ، وبين المقسم عليه وهو القرآن ، لأن النجوم تضيء الظلمات ، وآيات القرآن تنير الطريق ، وتبدد ظلمات الجهل والضلالة ، والأولى ظلمات حسية ، والثانية ظلمات معنوية . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ هذه ثلاث صفات أخرى للقرآن العظيم : وهي أنه في اللوح المحفوظ مصون مستور لا يطلع عليه إلا الملائكة المقربون ، وهم الكروبيون ، ولا يمسه في السماء إلا الملائكة الأطهار ، ولا يمسه في الدنيا إلا المطهرون من الحدثين : الأصغر